السيد محمد تقي المدرسي

358

من هدى القرآن

الناس من تراب ، ومرة أخرى حينما أودعهم الأصلاب ، ثم الأرحام . فبعد أن تقذف النطفة في رحم الأم ، نجدها تتحول بعد فترة إلى قطعة دم ، تعلق برحم الأم عَلَقَةٍ ثم إلى ما يشبه اللحمة الممضوغة ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ، مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ قد تحدَّدت معالمها كالعينين والرأس والأطراف ، أو غير مخلقة لا تلبث أن تسقط من الرحم قبل أن تتحدَّد معالمها . لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ليفهم الإنسان بأن التطورات التي تحكم وجوده ، دليل على أنه مدبر وأن الله هو المدبر الحكيم له وللخلق . وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إن المضغة تستمر في الرحم إلى أن يشاء الله ويأذن للجنين بالولادة ، وبقاء الجنين في الرحم ليس محدوداً بمدة تسعة أشهر ، فقد يولد قبل هذا لذلك قال : وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . ومن معاني وَنُقِرُّ أي نكتب ، لأنه كما ورد في الأحاديث أن سعادة الإنسان وشقاءه يكتبان عليه وهو في بطن أمه . ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ كانت بداية الآية تبين تطور الجنين في الرحم ، أما هنا فتبين تطوره بعد أن يولد طفلًا ، حيث يتحوَّل بعدئذٍ إلى شاب يافع قد بلغ أوج قوته ( أشده ) . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى كأن يموت بمرض أو بأحد حوادث الحياة أو بقتل ، وليست له حيلة في وفاته ، إنما تكون بأمر الله وتقديره . وقد يبقى طويلًا في الحياة ليعود ضعيفاً كما بدأ . والواقع أن الزمن ليس دائماً في مصلحة الإنسان ، وأن الإنسان ليس أبداً في تكامل ذاتي ، كيف وهو إذا بلغ أرذل العمر يعود كالطفل فلو كان تكامله ذاتياً ، كان لابد أن يعلو دائماً ولا ينتكس . حقاً : إن أهم ما يفقده البشر بكبر سنه هو علمه ؛ العلم - في ذات الوقت - أعظم نعمة يسعى البشر نحوها ويحاول المحافظة عليها ، لأن العلم يميزه عن سائر الخليقة ، وحين يفقد علمه لا يعود ذا كرامة في أهله وولده ومجتمعه ، أو لا يكون ذلك شاهداً على أن تكامل البشر ليس من ذاته ؟ ! وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً كأنها موات فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ إن تلك الأرض الميتة عندما تستقبل الأمطار فإنها تزيد وتنمو عليها النباتات . والنباتات ليست ذات شكل واحد ، ولو كانت الطبيعة هي التي تحكم الحياة إذن لكانت